التحرّر من التحيّز: كيف يستطيع قطاع النشر إحراز تقدم على صعيد حرية النشر

أتيحت لي في نهاية شهر مايو الماضي فرصة حضور النسخة الافتتاحية من منتدى التعبير العالمي (Wexfo) في مدينة ليلهامر النرويجية، الذي شاركت خلاله في إعلان القائمة القصيرة للمرشحين لنيل “جائزة فولتير” لحرية النشر للعام 2022 التي يقدمها الاتحاد الدولي للناشرين، كما حضرت الكثير من المحادثات والجلسات النقاشية. إنّ إقامة مثل هذه الفعاليات تظهر مدى التزام قطاع النشر بالمشاركة في المحادثات والنقاشات الصعبة اللازمة لإحراز تقدم في ميدان حرية النشر. وفي ضوء كل المناقشات الملهمة، قررتُ أن أتناول قليلاً في هذا المقال موضوع حرية النشر — حق الناشرين في إنتاج أعمالهم وإصداراتهم وتوزيعها بحرية تامة.

إنّ التحديات التي تعيق حرية النشر آخذة بالتطوّر باستمرار، ومن ثم تزداد أهمية مواصلة رصد واقع حرية النشر على المستوى العالمي باستمرار. وقد أُتيحت ليّ مؤخراً، أثناء قيادة مبادرة الاتحاد الدولي للناشرين “الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر” (إنسباير)، فرصة المشاركة مع عدد من الأعضاء في نقاشات حول الطرق التي رسمت بها جائحة “كوفيد-19” ملامح الحوار حول حرية النشر على أرض الواقع عالمياً. لقد أعرب أعضاء الاتحاد الدولي للناشرين عن قلق متزايد بشأن تأثير الخوف السياسي والإكراه وإضعاف الأسس القانونية لحرية النشر. وعلى وجه التحديد، أشار أعضاء الاتحاد إلى مخاوفهم بشأن الرقابة الذاتية، والتجاوز الحكومي، واستخدام قوانين الطوارئ، لتقييد التعبير، وتأثير شركات التكنولوجيا على التعبير.

لقد شاركتُ في الحوار العالمي حول حرية النشر لأكثر من عقد بصفتي ناشرة، من خلال جمعية الناشرين الإماراتيين، والاتحاد الدولي للناشرين، وكرائدة فكر ومناصرة للتغيير. ولا شك في أن تلك النقاشات تنطوي على صعوبات لأن المقصود بحرية النشر يعتمد بدرجة كبيرة على السياق وغالباً ما تواجه المواقف المطلقة مقاومة كبيرة. كما أنه من السهل جداً ظهور تحيّزات يمكن أن تعرقل سير الحوار العالمي حول حرية النشر.

التغلّب على التحيّزات حول حرية النشر

تناضل البلدان والمناطق المحافظة اجتماعياً لمواجهة التحدي المتمثل في التوفيق بين حرية التعبير الكاملة ومقاومة بعض المجتمعات. ويتمثل السؤال الذي لم تتم الإجابة عنه في — كيف تبدأ المجتمعات في تغيير المعايير الثقافية لتبني حرية التعبير الكاملة مع القيام في الوقت ذاته بدمج مكونات المجتمع المحافظة اجتماعياً التي تقاوم دخول أنواع معيّنة من التعبير في التيار الثقافي؟

عند التفكير في هذا السؤال، أعتقد أن هناك تحيّزات علينا التصدي لها. لا يوجد نهج واحد لإشراك البلدان والمجتمعات بالفعالية المرجوة في قضايا تعتمد بدرجة كبيرة على السياق مثل حرية النشر. كما يجب علينا الامتناع عن استخدام سياسات الحكومات من أجل تكوين أحكام مسبقة حول التزام الأفراد ومؤسسات قطاع النشر بحرية النشر.

من واقع تجربتي، وجدتُ أن الأفراد والمؤسسات الذين يفتقرون إلى قنوات للتعبير عن الآراء حول حرية النشر هم غالباً المؤيدون الأكثر التزاماً وحماساً. يمكن أن تعرقل التحيّزات تناول موضوعات حرية النشر في المجتمعات المحافظة اجتماعياً لأنها ترسخ عقلية “نحن مقابل الآخرين” التي يمكنها تحويل النقاشات حول حرية النشر إلى حوارات فردية.

تعزيز التغيير من الداخل

أؤمن بالمناهج التدريجية القائمة على الحوار لإشراك البلدان والمجتمعات باستخدام قوة النشر لإنشاء منصات مشتركة للتغيير. فمنذ عام 2007، عندما أسستُ مجموعة كلمات، عملت باستمرار على تحدي حدود المحظورات الثقافية والمجتمعية، دون التخلّي عن الضوابط القانونية والالتزامات الأخلاقية، وتم إرساء جهودنا وعملنا على جذور راسخة لتوسيع نطاق ما هو قابل للنشر.

كنت محظوظة أيضاً بالعمل إلى جانب عدد من الناشرين المتحمسين لتأسيس جمعية الناشرين الإماراتيين التي نهضت بدور رئيسي في إشراك صانعي القرار في القطاعين العام والخاص بشأن حرية النشر. كما استضافت الجمعية الكثير من منتديات حرية النشر في معارض الكتب المحلية والإقليمية التي ضمت كبار المسؤولين الحكوميين، والناشرين البارزين، وأصحاب المصلحة الآخرين.

ليس هناك ما يسمى بالحل السحري

لقد توليت قيادة بعثات تقصي الحقائق المعنية بحرية النشر إلى دول مثل السعودية، ومصر، وموريتانيا، من أجل الدفاع شخصياً عن الناشرين المعرّضين للخطر والضغط من أجل إحراز التقدم. ومن هذه التجارب، أعتقد أنه من المهم الاعتراف بأن الحكومات لا تعمل وفق طريقة واحدة، وأن قضايا مثل حرية النشر تستفيد من فرص الحوار وليس من استراتيجيات العزلة. لا شك أننا لا نمتلك جميع الإجابات، لكنني أؤمن بأن الحوار العالمي جنباً إلى جنب مع استراتيجيات دعم التغيير من الداخل يمثل أقوى الإمكانات لإحراز تقدم في ميدان حرية النشر.

إنّ صناعات النشر والإبداع هي أقوى أداة نمتلكها كحضارات وشعوب وجمعيات وأفراد لتمكين الحوار حول القضايا الصعبة المرتبطة بدرجة كبيرة بالسياق مثل حرية النشر. يؤدي الناشرون دوراً حيوياً في تمكين التقدم البشري والتنمية من خلال إثراء النقاش العام، وتحفيز الحوارات المجتمعية النقدية، وإتاحة الصوت للمهمشين. إنّ حرية النشر لا تعتبر مشكلة مقتصرة على العالم النامي فحسب، ولا يوجد حل سحري واحد لإشراك البلدان والمجتمعات بفعالية في هذه القضية. إنّ التغيير من الداخل ممكن — وعملي في مجال حرية النشر خلال العقد المنصرم هو خير دليل وبرهان على ذلك.

--

--

President of International Publishers Association; Founder and CEO of Kalimat Group, Kalimat Foundation and PublisHer network to empower women in publishing.

Love podcasts or audiobooks? Learn on the go with our new app.

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store
Bodour Al Qasimi

President of International Publishers Association; Founder and CEO of Kalimat Group, Kalimat Foundation and PublisHer network to empower women in publishing.