تأملات في دور قطاع النشر والثقافة خلال النزاعات العالمية

شاركت خلال معرض لندن للكتاب 2022 في جلسة نقاشية بعنوان “دور قطاع النشر والثقافة خلال النزاعات العالمية”، والتي أتاحت لي فرصة رائعة للتأمل فيما أنجزته على مدار السنوات الماضية فيما يخص دعم مجتمع النشر الدولي في فترات النزاع وما بعد النزاع بالعالم العربي وفي جميع أرجاء العالم.

ومن غير السار، وجود 8 بلدان عربية من أصل 35 دولة على قائمة البنك الدولي السنوية للبلدان المتأثرة بأوضاع الهشاشة والنزاع. وبسبب تفشي هذه الهشاشة، بات يُنظر إلى العمل في خِضم النزاعات والصراعات على أنه أمر معتاد للناشرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما ترأست إحدى أولى فعاليات النشر العالمية التي ناقشت دور قطاع النشر خلال النزاعات في عام 2019 تحت رعاية جلالة الملكة رانيا العبد الله، ملكة الأردن. وقد تناولت تلك الفعالية دور قطاع النشر في تجاوز تداعيات النزاعات والمساهمة بالعمل الإنساني وإعادة توطين اللاجئين، علماً بأن جزءاً كبيراً من تلك المناقشات ينطبق على الأزمة الحالية في أوكرانيا.

تستحوذ الأزمة الأوكرانية الراهنة على اهتمام العالم وأدت إلى تجديد التركيز على دور قطاع النشر العالمي خلال النزاعات. أعمل منذ أكثر من 15 عاماً مع ناشرين في العالم العربي وأفريقيا ومناطق أخرى تشهد نزاعات أو تمر بمراحل ما بعد النزاع من أجل تعزيز الأمل، ودعم المصالحة، وتأمين السلام من خلال الكتب. ومن واقع تجربتي على مدار السنوات الماضية، أؤمن بقدرة قطاع النشر على المساهمة بأدوار كثيرة في تجاوز تداعيات أوضاع النزاعات وفترات ما بعد النزاع.

توفير الحلفاء وحشد الدعم العالمي

أثبتت برامج الاستجابة للجائحة العالمية وبرامج مثل مبادرة “الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر” (Inspire) للاتحاد الدولي للناشرين، القدرات الهائلة التي يمكن أن يسهم بها القطاع في مواجهة الأزمات. وتزداد أهمية التضامن في القطاع أثناء النزاعات.

بالإضافة إلى أوكرانيا، يضم الاتحاد الدولي للناشرين أعضاء من 8 دول أخرى يمارسون أعمالهم في خضم النزاعات، في أرمينيا، والعراق، ولبنان، وليبيا، ونيجيريا، والصومال، والسودان، وفنزويلا.

وبينما لم يطوّر الاتحاد دليلاً رسمياً في شأن الاستجابة للأزمات، إلا أنه يدعم الأعضاء في تعزيز المرونة بمنظومة النشر من أجل ضمان استمرارية إيصال الكتب إلى القراء والمؤسسات المحورية مثل المدارس والمكتبات. ويكثّف الاتحاد جهوده الرامية إلى حماية حرية النشر من خلال القيام بدور رقابي لتسليط الضوء على الانتهاكات الحكومية وحشد الدعم لصالح جمعيات النشر التي تعاني من التضييق. كما يعمل الاتحاد في كثير من الأحيان كمركز لتبادل المعلومات لتسليط الضوء على عمل المؤسسات والبرامج الميدانية وحشد الموارد العينية والمالية بما يحقق مصلحة دور النشر المحلية.

التمسك بحرية النشر كحق من حقوق الإنسان

على الصعيد العالمي، تستخدم الحكومات في كثير من الأحيان النزاعات وحالات عدم الاستقرار والأزمات كذريعة لقمع حرية النشر من خلال تقييد التحليلات المستقلة والتقارير وإسكات الأصوات المنتقدة للحكومة. وخلال الأزمات، ينهض مجتمع النشر الدولي بدور رئيسي في تسليط الضوء وفضح الممارسات القمعية التي تستهدف حرية النشر من قبيل التدخلات الحكومية وحملات التضليل المنسقة التي تهدف إلى تضليل الجمهور.

وبينما لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لإضفاء الطابع المؤسسي على استجابة قطاع النشر العالمي لانتهاكات حرية النشر خلال الأزمات، تتمثل إحدى أفضل سبل الدعم التي يستطيع مجتمع النشر الدولي تقديمها، في التضامن مع جمعيات الناشرين والناشرين الأفراد من أجل إيصال معلومات موثوقة وموضوعية وصادقة إلى القراء. لقد ناقش قطاع النشر على مدار سنوات كثيرة حتى الآن الحاجة إلى وضع مقياس موضوعي لحرية النشر على مستوى البلدان، وذلك على غرار مؤشر مؤسسة فريدم هاوس للحرية على الإنترنت ومؤشر حرية الصحافة لمؤسسة مراسلون بلا حدود. وقد يمثل إحراز تقدم في هذه الجهود قيمة جوهرية لقدرة قطاع النشر العالمي على اعتماد استجابات أكثر ملاءمة وتأثيراً لانتهاكات حرية النشر في حالات النزاع وفترات ما بعد النزاع.

دعم التعلّم في خضم الأزمات ورفاهية الأطفال خارج المدرسة

على مدار السنوات الماضية، أتيحت لي الفرصة لزيارة كثيرٍ من البلدان المتأثرة بالنزاعات. ولقد تأثرت بشدة بحرص الأطفال في البلدان المتأثرة بالنزاعات وفترات بعد النزاع على مواصلة تعليمهم والعيش حياة طبيعية. ومن الضروري للغاية أن يقوم مجتمع النشر الدولي، إلى جانب المنظمات الدولية والمنظمات غير الربحية، بتقديم الدعم إلى الأطفال الذين يكافحون لمواصلة تعليمهم ممن هم خارج دائرة التعليم بسبب النزاعات. ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها اليونيسف، فإن 30٪ من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً ممن يعيشون في مناطق النزاعات أميون. ويتمثل خطر عدم تقديم الدعم إلى الأطفال لمواصلة تعليمهم وصقل مهاراتهم في القراءة والكتابة، في هدر مقومات جيل يكافح خلال مرحلة البلوغ بسبب نقص المهارات الحياتية الأساسية.

ومن واقع تجربتي الشخصية، تتمثل الاستجابة الفعالة لدعم الأطفال من أجل مواصلة التعليم في الظروف الصعبة، في توفير مساحات آمنة غنية بالكتب. يمكن أن توفر هذه الملاجئ ملاذاً أدبياً، وفرصة لبناء مهارات جديدة، والأمل في التخطيط للمستقبل. فعلى سبيل المثال، موّل الصندوق الأفريقي للابتكار في النشر برعاية دبي العطاء بناء مكتبة في مخيم كاكوما للاجئين بكينيا، وهو أكبر مخيم للاجئين في العالم يستضيف ما يربو من 150,000 لاجئ أكثر من 60٪ منهم دون سن 18 عاماً. كما توليتُ من خلال مؤسسة كلمات، ذراع المسؤولية الاجتماعية لمجموعة كلمات، قيادة مشاريع بناء المكتبات والتبرع بالكتب في ثاني أكبر مخيم للاجئين بالعالم، مخيم الزعتري في الأردن. توفر هذه المبادرات بيئة آمنة تمكّن الأطفال المتأثرين بالنزاعات من مواصلة التعلّم واللعب والحلم بمستقبل أفضل.

تسهيل اندماج اللاجئين

يجد الكثير من ضحايا النزاعات ملاذاً من خلال إعادة التوطين في بلدان أخرى. وللتكيف مع مجتمعاتهم الجديدة، تعتبر الكتب والقراءة خير معين في مساعدة اللاجئين على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاندماج بشكل أسرع في مجتمعاتهم الجديدة. ويمكن أن تدعم الكتب التي تتناول قضايا هادفة مثل التعامل مع ويلات الحروب، والفقر، والروحانيات، والعنصرية، وتحديات التوطين الأخرى، بطريقة مسلية وغنية بالمعلومات، التمازج الثقافي والتفاهم المتبادل واكتساب اللغة.

في عام 2018، وفي إطار الاستجابة لتدفق اللاجئين السوريين إلى إيطاليا، دخلت شركتي للنشر “كلمات” في شراكة مع دار غالوتشي للنشر لتأسيس دار نشر جديدة أطلق عليها “غالوتشي — كلمات”، التي أصبحت تنشر كتباً ثنائية اللغة تستهدف الشباب في مجتمعات اللاجئين ودول الاغتراب. تتناول كتبنا موضوعات من قبيل الاندماج الاجتماعي والحوار بين الثقافات لتعزيز التبادل الثقافي بين مناطقنا والاستفادة من قوة الكتب والقراءة كأساس لتعزيز التفاهم المتبادل والتخفيف من وطأة النزاع.

المساهمة في إرساء السلام وتعافي المجتمعات

لا نزال في مرحلة مبكرة جداً من مسيرتنا لاستكشاف أفضل السبل التي يمكن أن يدعم بها مجتمع النشر الدولي عملية إرساء السلام في مرحلة ما بعد النزاع، والتعافي، والمصالحة. وفي إطار الاستجابة للكوارث الإنسانية، تسهم برامج مثل مبادرات الاستشفاء بالكتب وإعادة بناء مجموعات الكتب، في تسريع تعافي المجتمعات وتسهيل عملية إرساء السلام. وعلى وجه الخصوص، يبشّر الاستشفاء بالكتب، الذي يتضمن الدعم النفسي من خلال قراءة الكتب والتأمل فيها ومناقشتها، بالكثير من الأمل. وفي الوقت ذاته، يزداد احتياج الأفراد الذين يعانون إعاقات بصرية، إما بسبب النزاعات أو تفاقمها، إلى كتب متاحة بتنسيقات يسهل عليهم استخدامها.

وفي هذا الصدد، أطلقت مؤسسة كلمات مبادرة “أرى” التي تقدم الدعم إلى الأطفال المكفوفين وضعاف البصر من خلال تسهيل إنتاج محتوى عربي بتنسيقات يسهل عليهم استخدامها، وذلك في إطار الاستجابة لازدياد أعداد المصابين جراء الانفجارات التي تؤثر على البصر في أماكن النزاعات. كما تعرض مبادرة “تَبَنَّ مكتبة” تدريباً لدعم أمناء المكاتب والمدرسين في تطوير مهارات الاستشفاء بالكتب حتى يتمكنوا من مساعدة المجتمعات في التعافي من ويلات النزاعات. كما يعد دعم مكتب الشارقة عاصمةً عالميّة للكتاب لإعادة بناء مكتبة سمير منصور، والتي تعد واحدة من أكبر المكتبات ودور النشر في قطاع غزة، بعد تدميرها في عام 2021، مثالاً آخر على مدى أهمية المساحات الآمنة لتعافي المجتمعات وعودتها إلى الحياة الطبيعية.

سد فجوات التمويل لزيادة برامج ومبادرات الناشرين

من واقع خبرتي، كانت فجوات تمويل المساعدات الإنسانية العائق الأساسي الذي يمنع مجتمع النشر الدولي من تقديم مساهمة أكبر. لذلك، يتعيّن على المزيد من أصحاب المصلحة المعنيين بمنظومة النشر، والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الربحية، والجهات المانحة الأخرى المساهمة في تمويل البرامج والمبادرات.

ومن الأمثلة الجيدة على التعاون متعدد القطاعات لحشد الموارد، الشراكة بين دبي العطاء والاتحاد الدولي للناشرين لدعم الصندوق الأفريقي للابتكار في النشر، وترميم المكتبات، ومبادرات تطوير مجموعات الكتب. وفي فبراير 2022، استجاب مكتب الشارقة عاصمةً عالميّة للكتاب أيضاً لمناشدة دار فروتسواف للأدب لتقديم المساعدة المالية إلى المؤلفين والرسامين والمترجمين الأوكرانيين الذين تعطلت أعمالهم بسبب الأزمة الإنسانية في بلادهم. وبفضل مثل هذه الجهود الجماعية، يستطيع القطاع الخاص، والمنظمات غير الربحية، والمنظمات الدولية، والحكومات، أن تُحدث فرقاً ملموساً في حياة ملايين الأطفال والأسر المتأثرة بالنزاعات.

استجابة قطاع النشر العالمي للنزاعات: كتابٌ لا تزال تُكتب صفحاته

سررت بالمشاركة في جلسة نقاشية بمعرض لندن للكتاب حول دور قطاع النشر خلال النزاعات لأنها تطرح سؤالاً مهماً وفي الوقت المناسب للغاية: ما هو دور مجتمع النشر الدولي خلال النزاعات؟ للأسف، يعمل الكثير من زملائنا منذ سنوات في مناطق تشهد نزاعات أو تمر بفترات ما بعد النزاع مع القليل من الدعم. ومن المؤسف أيضاً أننا لا نمتلك جميع الإجابات حول السبل التي يجب أن يستجيب بها قطاع النشر بمزيدٍ من الفاعلية.

في هذا المقال، حاولت أن أطرح أفكاري في هذا الشأن. وأعتقد أن هناك حاجة ماسة إلى وضع دليل في قطاع النشر للاستجابة للنزاعات وحالات ما بعد النزاع. ومن واقع خبرتي، ينصب تركيز معظم برامج ومبادرات النشر ومحو الأمية التي يسهم بها الكثير من أصحاب المصلحة على تطوير أسواق النشر، والتي، حتى وقت قريب، لم تجذب انتباه النشر العالمي. ونظراً لأن التوجهات الديموغرافية والتقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة والواعدة تجذب مزيداً من الاهتمام من الناشرين العالميين الذين يسعون إلى النمو، يبدو أنه لا مفر من أن العديد من الأسواق المستقبلية الواعدة للناشرين ستعاني من ويلات النزاع وتواجه تحديات إنمائية.

--

--

President of International Publishers Association; Founder and CEO of Kalimat Group, Kalimat Foundation and PublisHer network to empower women in publishing.

Love podcasts or audiobooks? Learn on the go with our new app.

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store
Bodour Al Qasimi

President of International Publishers Association; Founder and CEO of Kalimat Group, Kalimat Foundation and PublisHer network to empower women in publishing.