مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لجائحة كورونا، أود الحديث عن وضع صناعة النشر العالمية حالياً وعن التقدم الذي أحرزناه من خلال جهود بناء التضامن التي تجلّت في وضع الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر (Inspire)، والذي نشأت الحاجة إليه من البحث الذي أشرفت على إعداده حول تأثير الجائحة على الناشرين مبكراً في عام 2020، ومن المناقشات والمحادثات التي أجريتها على أرض الواقع كجزء من أنشطتي لعام 2021 باعتباري رئيسة للاتحاد الدولي للناشرين.

خلال عام 2020 — في ذروة الجائحة التي طالت العالم — كانت صناعة النشر العالمية بحاجة ملحة إلى خطوة قيادية ينصب تركيزها على توحيد وتضامن الجهود، وقد نجح الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر (Inspire) في تلبية هذه الحاجة. في الواقع، يعتبر إطلاق الميثاق واحداً من المرات القليلة التي يمكنني تذكرها والتي تمكنت فيها صناعة النشر من تنظيم وعقد مناقشات عالمية غير مسبوقة حول مستقبل النشر تناولت كافة جوانب الصناعة بمشاركة مختلف الأطراف المعنية. ومن وجهة نظري فإن هذا الميثاق الدولي قد يشكل نقطة تحول في كيفية تضافر جهود الناشرين مع جهود أقرانهم عبر منظومة صناعة النشر العالمية.

في العام الماضي — منذ فبراير 2021 عندما تم إطلاق الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر وحتى الآن — قمت باستشارة أكثر من 150 من كبار المسؤولين التنفيذيين في صناعة النشر من مختلف مجالات منظومة الصناعة — بما في ذلك دور النشر، والموزعين، والمؤلفين، والمعلّمين، ومعارض الكتب، ودعاة محو الأمية، وحرية التعبير. وتوجت هذه المشاورات التي شارك فيها مسؤولون تنفيذيون من أكثر من 40 دولة بعقد ندوة الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر في 17 فبراير الماضي.

بالإضافة إلى كافة النتائج التي تولدت عن مناقشات إطلاق الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر التي استمرت لما يقرب من عامين، والتي سيتم استعراضها في الدورة القادمة من مؤتمر بولونيا للكتاب (BBPlus)، سأقدم لكم لمحة سريعة عن أبرز القضايا والأولويات التي انبثقت عن ندوة الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر.

بدأت ندوة الميثاق بكلمتين افتتاحيتين ألقت الأولى منهما أودري أزولاي، المديرة العامة لليونسكو، والثانية قدمها دارين تانغ، المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية. شددت أزولاي وكذلك تانغ في كلمتيهما على الدور المهم الذي لعبته صناعة النشر في التخفيف من أثر الجائحة العالمية — حيث وفرت في كثير من الحالات هروباً من العزلة، وشعوراً بالانتماء للمجتمع، والمحافظة على التواصل مع العالم. كما أكدا على الدور الذي تلعبه صناعة النشر كمحرّك للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي من خلال مناهج الدعم التي تضم مختلف الأطراف المعنية وتشمل منظومة النشر بأكملها. وتأتي هذه الإشادة انعكاساً للجهود المتجددة للميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر نحو تعميق التعاون مع المنظمات الدولية وإقامة شراكات جديدة لتسهيل تعافي الصناعة.

ثم بحثت الندوة النتائج التي توصلت إليها ورش عمل الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر التي عقدت في يناير الماضي، حول القضايا ذات الأولوية مثل حقوق النشر، وحرية النشر، والاستدامة، والتنوع والشمول، والتكنولوجيا والابتكار. وكانت ورش العمل هذه مناسبة للعصف الذهني المشترك، حيث كشفت عن مجموعة من الأفكار حول ما يحدث على الخطوط الأمامية لصناعة النشر العالمية، وقد نوقشت هذه الأفكار أيضاً في جلسة حوار افتراضية ضمت ممثلين عن المؤلفين، وأصحاب متاجر الكتب، والمتخصصين في جمع البيانات.

مع تنامي المنشورات الرقمية والمبيعات عبر الإنترنت للوصول إلى القراء أثناء الجائحة، شهد العالم زيادة في القرصنة الرقمية، التي كشف المستوى المرتفع لها عن الحاجة إلى تعزيز آليات إنفاذ حملات مكافحة القرصنة المادية والرقمية عبر الإنترنت، والتي يجب أن تشمل كامل عناصر صناعة النشر بما في ذلك المستهلكين وصُنّاع السياسات. وبالإضافة إلى الضغط من أجل سن قوانين حقوق نشر حديثة تستوعب نماذج الأعمال الرقمية الناشئة، هناك حاجة أيضاً إلى تحسين عملية جمع بيانات الصناعة ومشاركتها لمواجهة الجهود التي تهدف إلى إضعاف حماية حقوق الطبع والنشر وضغط مجموعات المصالح لتوفير الوصول المجاني إلى الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر. وقد أشار بعض المشاركين في الندوة إلى أن صعوبة الوصول إلى الكتب تمثل دافعاً للقرصنة من قبل المستهلكين، وأن هذا الدافع لم يحظَ بالقدر الكافي من الدراسة، ما يستدعي مزيداً من الأبحاث داخل صناعة النشر. في الوقت نفسه، من المحتمل أن يكون للابتكارات الجديدة التي تضمن حقوق المؤلف في مبيعات الكتب المستعملة (مثل AuthorShare) آثار تحويلية على صناعة النشر تُمكّن المبدعين من الحصول على تعويض أكثر إنصافاً عن أعمالهم.

حرية النشر حق أساسي من حقوق الإنسان تضمنه أسس قانونية قوية تحمي حرية التعبير وتردع الرقابة الذاتية. كما أن الأسس القانونية التي تقوم عليها حرية النشر تتعزز بشكل أكبر من خلال التضامن داخل صناعة النشر، حيث يخلق هذا التضامن توازناً بين الحكومات، والضغوط الاجتماعية، والمصالح المكتسبة. ومن التحديات الناشئة التي أصبحت متكررة في ظل الجائحة العالمية استخدام سلطات الطوارئ لتقييد التعبير عن الرأي، ما يعد إساءة استخدام حكومي للسلطة التي يجب أن تظل تحت المراقبة من خلال دور صناعة النشر كحارس لحرية التعبير.

الاستدامة مفهوم متطور، ومع دخوله إلى صناعة النشر العالمية تظهر الحاجة إلى إجراء تعديلات على جميع مراحل سلسلة التوريد بما في ذلك المعايير الموحدة لتبادل المعلومات. يمكن لهذه المعايير أن توجه الشركات عند توفر الأدلة نحو التحسينات التشغيلية، مثل زيادة حجم تجارة الكتب المستعملة، والطباعة عند الطلب كبديل للطباعة التقليدية، وتعزيز التعاون بشأن الاستدامة بين مختلف الأطراف المعنية من المستهلكين وصانعي السياسات وكافة عناصر بيئة النشر الأكثر شمولاً.

تستطيع المعايير الموحدة لتبادل المعلومات أن تعزز تقدم الصناعة والمحاسبة في مكان العمل بمجال التنوع والشمول. وفي نفس الوقت يتطلب إلهام الجيل القادم من الناشرين استهداف فئات الشباب المتنوعة والمهمشة، والالتزام بمعالجة عدم المساواة الاجتماعية الهيكلية من خلال تحقيق التمثيل الأكثر تنوعاً في أماكن العمل وضمان تنوّع المحتوى في عالم الكتاب. ويعد دعم النشر باللغات الأصلية أمراً بالغ الأهمية لمحو الأمية وتعزيز الثقافات والهويات الوطنية.

تتطلب هياكل ونماذج الأعمال المتطورة، وقنوات البيع، وسلوكيات المستهلكين تحولات رقمية لا يستطيع معظم الناشرين الصغار مواكبتها. ونظراً لأن صناعة النشر تواجه منافسة قوية من المنصات الرقمية وتطبيقات البث على جذب الجمهور، فإن الابتكار في النموذج الرقمي وطرق التوزيع أمور بالغة الأهمية. ويجب تبني تقنيات حقوق النشر المطورة والاستراتيجيات اللامركزية الناشئة لتعويض صانعي المحتوى بشكل عادل قبل ظهور الجيل الثالث من الويب (3.0). ويحتاج أصحاب متاجر الكتب — على وجه الخصوص — إلى تعاون أعمق مع الناشرين لتبني نماذج الأعمال الرقمية واستكشاف قطاعات النمو الواعدة مثل الكتب الصوتية، وغيرها من الخدمات الرقمية.

كان للجائحة العالمية تأثير متباين على صناعة النشر العالمية — فقد تعافت بعض أسواق النشر سريعاً بينما ظلت أسواق النشر الناشئة تعاني بسبب افتقارها إلى البنية التحتية الرقمية، وكان كبار الناشرين أكثر قدرة من الناشرين الصغار والمستقلين على تبني التحول الرقمي، وحقق بعض كبار المؤثرين في عالم النشر مكاسب ضخمة بينما تدمرت أعمال آخرين. وفي ظل هذه الفوضى نمت علاقات أقوى داخل منظومة صناعة النشر العالمية.

اتسعت الأرضية المشتركة بين المؤلفين والناشرين، وتوحدت منظومة النشر العالمية دعماً للمؤلفين وسعياً للعودة إلى تنظيم معارض الكتب التقليدية، وأصبحت هناك رغبة متزايدة بين دور النشر والمكتبات للعمل معاً من أجل مستقبل رقمي. وعلى الرغم من الكشف عن ثغرات في أسس النشر العالمي، فقد عززت الجائحة أيضاً التعاون والاحترام المتبادل بين مختلف عناصر منظومة النشر العالمية. ويبدو أن هذا التضامن الذي نشأ من الشدائد هو إحدى الإيجابيات الدائمة لهذه الجائحة.

في 24 فبراير 2020 كان معرض بولونيا لكتاب الطفل من بين أوائل المناسبات الثقافية الكبرى التي أقدمت على اتخاذ القرار الصعب بالإلغاء بسبب الجائحة العالمية. وربما يكون من المناسب مناقشة وإصدار النسخة التالية من خطة الميثاق الدولي لتعزيز استدامة ومرونة قطاع النشر خلال الدورة القادمة من مؤتمر بولونيا للكتاب (BBPlus) المقرر عقدها في الفترة من 21 إلى 24 مارس المقبل، أي بعد عامين تقريباً من الجائحة العالمية التي أجبرت صناعتنا على الدخول في حالة تأمل وتفكر ذاتي كانت في أمس الحاجة إليها لتخرج منها أكثر استدامة ومرونة. وأتمنى أن أراكم جميعاً بين الحضور في هذا المؤتمر.

--

--

President of International Publishers Association; Founder and CEO of Kalimat Group, Kalimat Foundation and PublisHer network to empower women in publishing.

Love podcasts or audiobooks? Learn on the go with our new app.

Get the Medium app

A button that says 'Download on the App Store', and if clicked it will lead you to the iOS App store
A button that says 'Get it on, Google Play', and if clicked it will lead you to the Google Play store